مفاهيم خاطئة حول اضطراب التوحد
د. موسى بن أحمد آل زعلة
استشاري الطب النفسي للأطفال
الاثنين، 26 جمادى الآخرة 1437هـ

على الرغم من كثرة حديث الإعلاميين والمختصين عن اضطراب التوحد في السنوات الأخيرة إلا أن جوانب كثيرة من هذا المرض تظل غامضة لدى كثير من الناس ، وبسبب هذا الغموض انتشرت لدى الناس بعض المفاهيم غير الصحيحة ، والتي لا تقوم على دليل علمي رصين .. ومن هذه المفاهيم الخاطئة ما يلي:

اعتقاد بعض الناس أن أعراض التوحد عبارة عن أعراض عابرة ، وتزول مع الوقت ، وبالتالي فلا داعي للاستعجال في استشارة المختصين أو المبادرة بالتدخل

وهذا اعتقاد خاطئ فإذا اشتبه الأهل أن لدى طفلهم بعض أعراض التوحد فعليهم المبادرة باستشارة المختصين ، وإذا تم تشخيصه أن لديه أعراض توحد فلابد من المبادرة إلى التدخل العلاجي ، لأن التوحد مرض مزمن وأعراضه تصاحب الطفل إلى مراحل متقدمة من عمره .

انتشر لدى كثير من الناس الاعتقاد بأن الطفل الانطوائي ، أو الطفل الذي لديه تأخر في كلامه مصاب بالتوحد

وهذا مفهوم قاصر : فانطوائية الطفل وتأخره في الكلام لها أسباب كثيرة ومختلفة ، ومنها التوحد ، ولكن هناك احتمالات أخرى كثيرة لابد من استبعادها قبل أن نحكم على الطفل بالتوحد ، فالتوحد له علاماته الدقيقة والتي تحتاج إلى متخصص حتى يكتشفها ويحكم عليها إذا كانت توحد أم لا .

بعض الآباء والأمهات يرفضون قبول تشخيص التوحد إذا لم يجدوا له أسبابا واضحة .

وهذا مفهوم خاطئ ، فالتوحد ليس له سبب واضح ومحدد ، ومازالت الأبحاث العلمية عاجزة عن تحديد السبب الدقيق لهذا المرض ، وهذا ما قد يجعل بعض الآباء والأمهات يضيعون على طفلهم وقتا طويلا في البحث عن السبب وراء هذا المرض ، وبالتالي يتأخر الطفل عن الالتحاق بأي برنامج علاجي ، ولا يصل الوالدان إلى أي سبب له علاقة بحصول المرض .

يعتقد البعض أنه لا يمكن تشخيص التوحد إلا بإجراء مجموعة من الفحوصات المخبرية ، وعمل أشعة للرأس .

والصحيح أن تشخيص التوحد – حسب التصنيفات العالمية – للاضطرابات السلوكية لدى الأطفال يكون مبنيا على التشخيص العيادي والتقييم الطبي ، عن طريق طبيب متخصص في التعامل مع اضطرابات التوحد ، وإنما تساعد هذه الفحوصات في استبعاد وجود أي مشكلات طبية أخرى ، وليس لإثبات التشخيص .

البعض الآخر يرى أن تشخيص التوحد لا يتم إلا بإجراء اختبارات ومقاييس نفسية لإثبات التشخيص .

الاختبارات والمقاييس النفسية ليست أدوات لإعطاء التشخيص الدقيق والنهائي ، وإنما قد تساعد في الوصول للتشخيص ، وتفيد أيضا في معرفة نقاط القوة ونقاط الضعف التفصيلية لدى مريض التوحد ، وهذا يساعد في وضع البرنامج العلاجي التأهيلي المناسب للطفل .

يعتقد بعض الأهل – وأحيانا بعض الصحيين غير المتخصصين – أن مرض التوحد ناتج عن زيادة الشحنات الكهربائية في الدماغ .

والصحيح أن ذلك لم يثبت من الناحية العلمية ، وليس لوجود الشحنات الكهربائية علاقة بحدوث مرض التوحد ، إلا إذا صاحبها نوبات صرع فيحتاج الطفل إلى استخدام أدوية الصرع لعلاجه لا لعلاج التوحد .

انتشر لدى الكثير من أسر أطفال التوحد أنه لا يمكن أن يتم تأهيل أو تدريب أطفال التوحد إلا في مراكز متخصصة ، وأن الأهل غير قادرين على تدريبهم ، وليس لهم دور في التدريب والتأهيل .

التدريب والتأهيل مهم جدا لاستفادة أطفال التوحد ، وكذلك فإن وجود المدربين المتخصصين المؤهلين عامل مهم من عوامل تحسن أعراض التوحد ، ولكن هذا كله لا يلغي دور الأسرة ، وخاصة الوالدين ، فعليهم دور كبير في تدريب وتأهيل أبنائهم على المهارات التي يتعلمونها من المدربين المتخصصين ، بل إن بعض الباحثين يرى أن الطفل التوحدي يستفيد من التدريب والتأهيل داخل أسرته أفضل من أن يكون بعيدا عنهم ، فمن الخطأ إهمال دور الأسرة والاعتماد الكلي على المراكز .

كثير من أسر أطفال التوحد يبحثون عن أنواع مختلفة من الحمية الغذائية لأطفالهم وذلك لاعتقادهم أنها علاج مفيد لأعراض التوحد .

بالرغم من أن هناك من يقول أن طفلهم استفاد جزئيا من الحمية ، إلا أن الدراسات العلمية أظهرت عدم فاعلية الحمية ، ولكن بعض الأطفال قد يكون لديه تحسس من بعض الأطعمة ، فعندما يعمل له حمية منها فإن ذلك قد يساعد في تحسن بعض الأعراض جزئيا ولوقت محدود ، مع ملاحظة أن حرمان الطفل من بعض الأطعمة قد يكون له آثار سلبية على صحة الطفل ، فإذا أراد الأهل تجربة الحمية فلابد أن يكون تحت إشراف طبي من المتخصصين في التغذية .

يبحث بعض أهالي أطفال التوحد عن علاج أطفالهم بالأكسجين .

وقد اختلفت الدراسات العلمية في إثبات فاعلية العلاج بالأكسجين لأطفال التوحد ، فهناك بعض الدراسات أظهرت فاعليته ، ولكن غالبية الدراسات العلمية المقننة أظهرت عدم فاعليته على المدى البعيد ، كما أن له بعض الأعراض الجانبية ومنها : الصداع ، التهاب الأذن الوسطى ، تشنجات ، مشاكل في النظر

يظن بعض أسر أطفال التوحد أن هناك علاج دوائي طبي للقضاء على أعراض التوحد .

للأسف الشديد لا يوجد أي أدوية طبية لعلاج أعراض التوحد ، وإنما توجد هناك بعض الأدوية التي أظهرت الدراسات العلمية فعاليتها في علاج بعض الأعراض المصاحبة للتوحد مثل العنف والعدوانية ، وكذلك الهيجان وسرعة الانفعال .

يعتقد بعض الناس أن معظم أطفال التوحد قد يظهر لديهم قدرات خارقة وذكاء يفوق المعدل الطبيعي .

نعم هناك فئة محدودة من أطفال التوحد قد يظهر لديهم نبوغ وذكاء حاد في جزئيات دقيقة من حياتهم ، ولكنهم فئة محدودة ، أما غالبهم 70% تقريبا فذكاؤهم أقل من المعدل الطبيعي .

يعتقد الكثير من أهالي أطفال التوحد أن الهدف من التدخل العلاجي بالتدريب والتأهيل هو أن يصبح الطفل طبيعيا 100%

والواقع أن اضطراب التوحد يعتبر إعاقة نمائية شاملة مزمنة ، وبالتالي فإن الهدف من التدخلات العلاجية هو الوصول بالطفل إلى أعلى حد ممكن في الاعتماد على نفسه ، وكذلك تحسين التفاعل الاجتماعي إلى أقصى درجة ممكنة ، وفي حال تحقق هذين الهدفين فإن التدخل العلاجي يعتبر قد نجح نجاحا كبيرا .